الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
23
تفسير روح البيان
إلى العبد تشريفا له وتقريبا وإلى نفسه قطعا لطمع إبليس عنه كما قيل لما نزل قوله تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ قال الشيطان ان لم أقدر على سلب عزة اللّه ورسوله أسلب عزة المؤمنين فقال اللّه تعالى فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً فقطع طمعه كذا في التيسير * وتكرار الصراط إشارة إلى أن الصراط الحقيقي صراطان من العبد إلى الرب ومن الرب إلى العبد فالذي من العبد إلى الرب طريق مخوف كم قطع فيه القوافل وانقطع به الرواحل ونادى منادى العزة لأهل العزة الطلب رد والسبيل سد وقاطع الطريق يقطع على هذا الفريق لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ الآية والذي من الرب إلى العبد طريق آمن وبالأمان كائن قد سلم فيه القوافل وبالنعم محفوف المنازل يسير فيه سيارته ويقاد بالدلائل قادته مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الآية اى أنعم اللّه على أسرارهم بأنوار العناية وعلى أرواحهم باسرار الهداية وعلى قلوبهم بآثار الولاية وعلى نفوسهم في قمع الهوى وقهر الطبع وحفظ الشرع بالتوفيق والرعاية وفي مكايد الشيطان بالمراقبة والكلاية * والنعم اما ظاهرة كارسال الرسل وإنزال الكتب وتوفيق قبول دعوة الرسل واتباع السنة واجتناب البدعة وانقياد النفس للأوامر والنواهي والثبات على قدم الصدق ولزوم العبودية * واما باطنة وهي ما أنعم على أرواحهم في بداية الفطرة بإصابة رشاش نوره كما قال عليه السلام ( ان اللّه خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل ) فكان فتح باب صراط اللّه إلى العبد من رشاش ذلك النور وأول الغيث رش ثم ينسكب فالمؤمنون ينظرون بذلك النور المرشوش إلى مشاهدة المغيث وينتظرون الغيث ويستعينون اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بجذبات الطافك وفتحت عليهم أبواب فضلك ليهتدوا بك إليك فأصابوا بما أصابهم بك منك كذا في التأويلات النجمية * قال الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره في الفكوك في تأويل الحديث المذكور لا شك ان الوجود المحض يتعقل في مقابلته العدم المضاد له فان للعدم تعينا في التعقل لا محالة وله الظلمة كما أن الوجود له النورانية ولهذا يوصف الممكن بالظلمة فإنه يتنور بالوجود فيظهر فظلمته من أحد وجهيه الذي يلي العدم وكل نقص يلحق الممكن ويوصف به انما ذلك من احكام النسبة العدمية واليه الإشارة بقول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( ان اللّه خلق الخلق في ظلمه ثم رش عليه من نوره فظهر ) وخلق هاهنا بمعنى التقدير فان التقدير سابق على الإيجاد ورش النور كناية عن إفاضة الوجود على الممكنات فاعلم ذلك انتهى كلام الشيخ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بدل من الذين على معنى ان المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال * وكلمة غير على ثلاثة أوجه الأول بمعنى المغايرة وفارسيته « جز » قال اللّه تعالى لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ والثاني بمعنى لا وفارسيته « نا » قال تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ والثالث بمعنى الا وفارسيته « مكر » قال تعالى فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وصرفها هاهنا على هذه الوجوه محتمل غير أن معنى الاستثناء مخصوص بقراءة النصب * والغضب ثوران النفس عند إرادة الانتقام يعنى انه حالة نفسانية تحصل عند غليان النفس ودم القلب لشهوة الانتقام وهنا نقيض الرضى أو إرادة الانتقام أو تحقيق الوعيد أو الاخذ الأليم أو البطش الشديد أو هتك الأستار